عبد الكريم الخطيب

68

التفسير القرآنى للقرآن

معقدة من التصفية والانتخاب ، استمرت ملايين السنين ، حتى انتهت بظهور الإنسان على تلك الصورة التي علا بها جميع أبناء سلالاته ، وكان أهلا لتلقى النفخة الإلهية يوم مولده ، وكأنها التاج الذي توّج به ملكا على العالم الأرضي كله . وهذا ما تشير إليه أيضا الآية الكريمة : « ما لكم لا ترجون للّه وقارا ، وقد خلقكم أطوارا » . ثم إن النظر العابر في عالم الأحياء يعطى دلالة قاطعة على أن الإنسان هو من طينة الأسرة الحيوانية . . فهذا التشابه الكبير في تركيب الأعضاء ، والحواس ، وعملية الهضم ، والتنفس ، ومجرى الدم في العروق ، ثم في عملية التناسل في مراحلها المختلفة . . كل هذا التشابه يقطع بأن الإنسان حيوان قبل أن يكون إنسانا ! وإنك لتجد الإنسان كله في أدنى المخلوقات ، وفي أرقاها . . من الدودة والحشرة ، إلى القرد والغوريلا . وعلى هذا ، فإننا لا نستطيع أن نقبل أقوال المفسرين في خلق آدم ، على تلك الصورة التي يرسمونها للأسلوب الذي ولد به . . فمثلا ، « القرطبي » يقول في تفسيره عن خلق آدم : « فخلقه اللّه بيده ، فكان جسدا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة « 1 » ، فمرت به الملائكة ، ففزعوا منه لمّا رأوه ، وكان أشدهم فزعا إبليس ، فكان يمر به ، فيضربه ، فيصوّت الجسد ، كما يصوّت الفخار تكون له صلصلة ، ويقول إبليس : « لأمر ما خلقت ! ! » « 2 » .

--> ( 1 ) تبعا للمقولات الإسرائيلية التي تقول إن اللّه خلق الأحياء في يوم الجمعة . . وقد اقتطع القرطبي من هذا اليوم أربعين سنة لخلق آدم ، على اعتبار أن اليوم عند اللّه كألف سنة من أيامنا . ( 2 ) تفسير القرطبي .